(Samaria ostraca)



من بين أبلغ الآثار التي أورثنا إياها مملكة إسرائيل — المملكة الشمالية المعروفة أيضاً بـ«مملكة السامرة»، في مقابل مملكة يهودا الجنوبية — تحتلّ الأواني الخزفية المكتوبة المستخرجة من تلّة السامرة مكانةً فريدة. ويُشير مصطلح أوستراكون (جمعه أوستراكا)، المستعار من اليونانية ὄστρακον، إلى شقفةٍ من الفخار أُعيد توظيفها دعامةً للكتابة، إذ كانت وسيلةً اقتصاديةً متينةً يُخطّ عليها بالحبر أو تُحفر نقشاً. وبعيداً عن النصوص الأدبية أو الكتابات التذكارية، تنتمي هذه الشقف إلى أندر الفئات وأثمنها لدى المؤرخ: فئة الوثائق الإدارية الاعتيادية، التي لم تُكتب لتخليد الذكرى بل لتسيير شؤون الدولة اليومية.
وقد وصفتها النشرة التراثية بدقة: فهي شقف مكتوبة بالحبر بخط عبري قديم، تُسجّل شحناتٍ من الزيت والخمر وصلت إلى عاصمة مملكة إسرائيل، وتعود إلى الحي المحيط بقصر السامرة الملكي. ووفق البيانات المرجعية، يتألف هذا المجموعة من نحو 102 إلى 113 شقفة قابلة للقراءة، أُميط اللثام عنها عام 1910 خلال الحفريات التي أجراها عالم الآثار الأمريكي George Andrew Reisner لحساب جامعة Harvard، مع اكتشافات تكميلية في ثلاثينيات القرن الماضي [Encyclopaedia Judaica؛ Wikipedia، Samaria Ostraca].
وتتخطى أهميتها حدود مجرد محاسبة خزينةٍ ملكية. فهذه الشقف تُمثّل واحداً من أقدم المجموعات الكتابية العبرية وأضخمها المعروفة، وتلقي ضوءاً كاشفاً على التنظيم الضريبي، وجغرافية القبائل، والأسماء الدينية، ولغة إسرائيل في القرن الثامن قبل ميلادنا. ويسعى هذا المؤلَّف إلى استعادة، فصلاً فصلاً، سياق اكتشافها، ومضمونها، وجدل التأريخ المتعلق بها، وما تنطوي عليه من دلالات لفهم العالم الإسرائيلي القديم والذاكرة اليهودية.
سامريا — Šomron بالعبرية — أسَّسها الملك عُمري عاصمةً للمملكة الإسرائيلية في القرن التاسع قبل الميلاد، كما يروي السِّفر الأول للملوك الذي يصف شراء التلة من رجلٍ يُدعى Schémer [Bible, 1 Rois 16, 23-24]. أُقيمت المدينة في موقع استراتيجي على ربوةٍ تُشرف على طرق شمال البلاد، فغدت مقرَّ سلالةٍ نافذة هي سلالة الأُمريين، ومركزاً سياسياً بارزاً تُشير إليه المصادر الآشورية باسم Samerina [Encyclopaedia Judaica].
وقد كشفت حفريات Reisner التي امتدت بين عامَي 1908 و1910، ثم تلك التي استأنفها فريق بريطاني-أمريكي مشترك في ثلاثينيات القرن الماضي بإشراف John Winter Crowfoot، عن بقايا مجمَّع قصري ضخم، يشهد على فخامته عاجُ سامريا الشهير — ألواح زخرفية مُحكمة النحت — صدىً لـ«قصر العاج» المنسوب إلى Achab في الموروث التوراتي [Bible, 1 Rois 22, 39 ; Encyclopaedia Judaica]. وفي هذا القطاع، على مقربةٍ مباشرة من القصر، في مبنىً أو مستودعٍ تابع للإدارة الملكية، عُثر على الأوستراكا، مما يُرسِّخ هذه الوثائق من الوهلة الأولى في صميم عمل جهاز الدولة الإسرائيلية [Wikipedia, Samaria Ostraca].
وسياق الاكتشاف ذو دلالةٍ بالغة: فالشقَف لا تأتي من قبور ولا من مكبَّات منزلية متفرقة، بل من بيئةٍ إدارية بامتياز. وهذا المصدر يُوجِّه التفسير نحو وظيفةٍ محاسبية وجبائية، ويُضفي على الكتابات قيمةَ أرشيفٍ رسمي، وإن كان أرشيفاً متواضعاً ومتقطِّع الأوصال.
قصاصات Samarie تتبع صياغةً بالغة النمطية، دليلٌ على ديوانٍ متمرّس على التسجيل المنهجي. يُثبّت كلُّ شظية، وفق أنماط متكررة، أربعة أنواع من المعلومات: سنةَ حكم (تُستهَلّ بصيغة «في السنة…»)، وموقعاً جغرافياً للمنشأ، واسمَ شخصٍ أو أشخاص، وطبيعةَ البضاعة المُسلَّمة — وهي في الغالب زيتٌ (لا سيما «الزيت المغسول» أو المُصفّى) وخمر (يُوصف أحياناً بـ«الخمر العتيق») [Encyclopaedia Judaica؛ Wikipedia، Samaria Ostraca].
وتُقرأ صيغةٌ نموذجية، في ترجمةٍ مُعادة، على النحو الآتي: «في السنة العاشرة، من Beéraïm، [مُسلَّمٌ] إلى Šemaryaw، جرّةٌ من الخمر العتيق.» وتتركّز التواريخ في سنوات الحكم المُشار إليها بـ«السنة 9» و«السنة 10» و«السنة 15»، مما أثار نقاشاتٍ زمنية بالغة الأهمية [Wikipedia، Samaria Ostraca]. وتُحيل وحداتُ القياس إلى جرارٍ موحّدة المقاييس (nebel للخمر، وbat للزيت)، شاهدةً على منظومةٍ مترولوجية معيارية.
وثمة بنيتان نحويتان متعايشتان: ففي بعض النصوص يُستهَلّ المتلقّي أو المستفيد بحرف الجرّ le- («إلى»)، بينما يرد في نصوصٍ أخرى حرف الجرّ me- («من»، دالاًّ على المنشأ أو المُرسِل) — وهذا التمييز أذكى الفرضياتِ حول الطبيعة الحقيقية للمعاملة: أهي أداءٌ ضريبي، أم إتاوةٌ عقارية، أم توزيعٌ من أملاك الملك؟ وأياً كان الأمر، يرسم هذا الكورپوس صورةً لتدفّقٍ منتظم من السلع الزراعية تتّجه من الأرياف نحو العاصمة، تحت إشراف كتّاب ملكيين دقيقي المراقبة.
ولعلّ أبلغ ما تكشفه الأوستراكا هو أسماء الأماكن الواردة فيها. فهذه الأسماء الجغرافية — كـŠemida وHélèq وNoʿa وHoglah وAvîʿézer وŠékem وTirçah — تتطابق تطابقًا لافتًا مع أسماء عشائر سبط منسّى، المُعدَّدة في سفر الأعداد وسفر يشوع [Bible, Nombres 26, 28-34 ; Josué 17, 1-3 ; Encyclopaedia Judaica].
وهنا تتجاوب الوثيقة والتقليد على نحوٍ نموذجي. فالرواية التوراتية عن «بنات Çelophehad» — Mahla وNoʿa وHogla وMilka وTirça — اللواتي يطالبن بالميراث الأرضي ويحصلن عليه في غياب وارث ذكر، تستحضر أسماءً تعود لتظهر بوصفها مناطق أو عشائر على شقف السامرة [Bible, Nombres 27, 1-7]. ورأى عددٌ من الباحثين في هذا التوافق أثرًا لواقع إداري ملموس: إذ إن هذه الأسماء «الأنثوية» في النسب المنسّاوي كانت تُشير في الحقيقة إلى تقسيمات إقليمية، أي مقاطعات زراعية في الهضبة الوسطى، تحتفظ الأوستراكا باستخدامها الضريبي الحيّ [TheTorah.com, The Daughters of Zelophehad].
غير أن هذا التوافق لا يُثبت الحرفية التاريخية للرواية الأبوية، بل يكشف عن ذاكرةٍ جغرافية مشتركة: فالقائمة القبلية المحفوظة في التوراة والسجلات الحسابية للقصر ينهلان معًا من رصيدٍ واحد من الأسماء المنسّاوية. وتُقرّر الوثيقة بذلك أن هذه الأسماء لم تكن مجرد اختراعات نسبية خالصة، بل كانت راسخةً في خارطة مملكة إسرائيل الفعلية.
أسماء الأشخاص المدوّنة على الأوستراكا تُقدّم لنا لقطةً نادرة للمشهد الديني في إسرائيل الشمالية. ويُلاحَظ فيها تعايشٌ لافت بين الأسماء الثيوفورية المبنية على العنصر -yaw (الصيغة الشمالية المختصرة للاسم الإلهي YHWH، يهوه)، كـ Šemaryaw وGaddiyaw وʿAbdiyaw، وبين الأسماء المبنية على العنصر baʿal، كـ Méribaʿal وBaʿalzamar [Encyclopaedia Judaica].
وقد أُسيل كثيرٌ من الحبر حول هذه الثنائية في علم الأسماء. فمن منظور بعض الباحثين، يعكس التعايش الآني بين الأسماء اليهوية والبعلية ضرباً من التوفيقية الدينية الفعلية في أوساط السكان والنخبة الإسرائيليين، وهو ما يتسق مع المواجهات النبوية التي خاضها Osée وÉlie ضد عبادة Baal في المملكة الشمالية [Bible، Osée 2 ؛ 1 Rois 18]. أما من منظور آخر، فقد يكون مصطلح baʿal (بمعنى «ربّ، سيّد») قد استُخدم في بعض هذه الأسماء كلقبٍ ينصرف إلى يهوه ذاته، دون أن يحمل أيَّ دلالة تعددية. لذا يدعو المنهج العلمي الرصين إلى الحذر؛ إذ يشير المتخصصون في دراسة النقوش إلى أن إحصاء الأسماء يدل على رجحان كفّة اليهوية دون أن ينفي وجود عناصر دينية منافسة.
وتُشكّل صيغة -yaw في الأسماء الشمالية، في مقابل صيغة -yahu الموثّقة في يهودا، مؤشراً لهجوياً بالغ الأهمية، يُثبت أن الأوستراكا توثّق العبرية الإسرائيلية لا عبرية المملكة الجنوبية [Encyclopaedia Judaica].
تظل مسألة تأريخ الأوستراكا من أكثر النقاشات حدةً في علم الكتابات العبرية. فالتأريخات الداخلية — «السنة 9»، «السنة 10»، «السنة 15» — تحيل إلى سنوات حكم، غير أن الملك المعني لم يُذكر قط بالاسم، مما يفتح الباب أمام الفرضيات [Wikipedia، Samaria Ostraca].
يربط التأريخ التقليدي، المستند إلى الباليوغرافيا والسياق الطبقي الحفري، المجموعةَ كلها بعهد Jéroboam II (النصف الأول من القرن الثامن ق.م.)، وهو عصر ذروة الازدهار في مملكة الشمال. أما بعض الباحثين فلاحظوا أن بعض الشقف تحمل السنتين 9 و10 وأخرى تحمل السنة 15، فافترضوا مرحلتين متمايزتين، بل ربما عهدين مختلفين — كعهدَي Joachaz ثم Joas، أو Joas ثم Jéroboam II. وعلى نطاق أوسع، يُؤرَّخ الكوربوس ضمن نطاق زمني يمتد من أواخر القرن التاسع إلى منتصف القرن الثامن ق.م.، أي تقريبًا بين 850 و750 ق.م. وفق التقديرات المرجعية [Wikipedia، Samaria Ostraca ؛ UT-Austin Hebrew Bible Comps Wiki].
ولا تُقلِّل هذه الضبابية من قيمة الوثائق في شيء: فسواء أعادت إلى عهد واحد أم إلى عهود متعددة، فإنها تشهد على استمرارية إدارية ونظام ضريبي راسخ في قلب العصر الذهبي لمملكة إسرائيل، قبل عقود قليلة من سقوطها تحت الضربات الآشورية في الفترة الممتدة بين 722 و720 ق.م.
منذ نشرها الكامل الأول على يد Reisner في مجلدات Harvard Excavations at Samaria (1924)، لم تتوقف الأوستراكا عن إعادة الدراسة. وقد شكّلت محكًّا لأعمال تأسيسية في الكتابة العبرية القديمة، وفي النظام الضريبي والعقاري للملكية الإسرائيلية، وفي مترولوجيا العالم القديم. وقد اتخذها علماء الكتابات النقشية من أمثال William Foxwell Albright، ومن بعدهم المتخصصون في العبرية القديمة، ركيزةً أساسية في إعادة بناء صورة الإدارة الإسرائيلية [Encyclopaedia Judaica].
يظل النقاش مفتوحًا حول الوظيفة الدقيقة لهذه الإرساليات — أهي ضريبة مُحصَّلة من أراضٍ، أم مستحقات يؤديها الكانتونات إلى المستفيدين من حاشية البلاط، أم محاسبة داخلية للمخازن الملكية — مما يجلّي صعوبة تأويل وثائق مُوجَزة تفتقر إلى سياقها الأرشيفي الكامل. وعلى الصعيد التراثي، نُقلت الغالبية العظمى من الشظايا المستخرَجة في الحقبة العثمانية وظلت على صلة بمجموعات Istanbul، في حين تُثري شظايا أخرى ووثائق الحفريات المؤسساتِ العلمية [Wikipedia, Samaria Ostraca].
واليوم، يحتل Ostracon de Samarie — بصيغة المفرد بوصفه تسمية جامعة للمجموعة — مكانةً بارزة بين الشواهد المادية الكبرى للثقافة الكتابية لإسرائيل التوراتية، إذ يظل موضع دراسة دائمة في الأركيولوجيا والفيلولوجيا وتاريخ الأديان.
متواضعةٌ في مادتها — مجرد كسرات فخار مكسوّة بالحبر الأسود —، غير أن مجموعة أوستراكا Samarie تحمل كثافةً وثائقية استثنائية. تُقدِّم، في سطور صيغية متكررة، خلاصةً لتنظيم مملكة بأكملها: نظامها الضريبي، وجغرافيتها القبلية، وأسماؤها الدينية، ولغتها، وخطّها. وحين تحتفل النقوش الضخمة بالملوك، تُسمِعنا هذه الكسرات همسَ الإدارة اليومية لدولة طواها النسيان.
وتكمن قيمتها أيضاً في ذلك الحوار الذي تُقيمه مع التراث المكتوب: فالأسماء الجغرافية لقبائل Manassé المُدوَّنة فيها تتردد صداها مع أنساب التوراة، وتضافرُ الأسماء اليهوية والبعلية يُضيء التوترات الدينية التي أنكرها الأنبياء. ودون أن تبلغ حدّ «إثبات» الكتاب المقدس، فإنها تُؤكد تجذُّره في واقع جغرافي واجتماعي ملموس. وبهذا المعنى، يظل Ostracon de Samarie حلقةً وصلٍ لا غنى عنها بين الأرشيف والذاكرة التاريخية لشعب إسرائيل، شظيّةُ طين لا تزال تتحدث عبر ما يقارب ثمانيةً وعشرين قرناً، بصوت عاصمة مملكة الشمال.